بحث

السبت، 1 أغسطس 2020

منازلة الصّمت

أنثى مكسورةx




الساعة تشير إلى العاشرة والنصف.
جالسةٌ على سريري دون حراك، أمسك بيدي كتابًا اقتنيتُه مؤخّرا لقتل عاداتي القديمة، وقتل انتظاري… أقرأ فيه منذ أكثر من ساعة.
في الخارج، الهدوءُ يطبق على الكون، والظلمة تلفّ المكان، وحدها الرّياح تصفّر، كأنّها تناديني، تغويني وتجعلني أنسى يقيني مرة أخرى.
المنضدة الصغيرة التي بجوار سريري خالية، بعدما حرّرتها من هاتفي الصّامت صمت الجفاء… والقطيعة… والتحدّي. ووضعته بعيدًا هناك على الرفّ، وتوقّفت عن الانتظار، وعدّ الأيام.
في داخلي كان قلبي ما يزال يحترق شوقًا، ويصطدم بعزّة نفسي التي دخلَت في منازلة الصّمت بحزمٍ وإصرار، بعد أن اقتنعتُ أخيرًا بضرورة المواجهة، مواجهة الدّفاع عن كرامتي التي كِدتُ أخسرها بحبيبٍ لا يبالي.
أفكارٌ كثيرةٌ كانت تدور في ذهني وأنا جالسةٌ هناك، أحتضنُ كتابي، أركضُ بعينيّ وراء الكلماتِ الهاربةِ من بين السّطور.
وفجأة… رنّ الهاتف! ومع رنّته قفز قلبي داخل صدري. لكنّي سرعان ما أمسكتُه ورميتُه في بقعته، فاستكان فيها مقهورًا مذلولا.
قمتُ من مكاني، مددتُ يدًا متردّدة وأمسكتُ بالهاتف. نظرتُ إلى الرّقم.
إنه هو!
هل أرُد؟؟ ماذا سيقول؟ ربّما الأفضل ألا أرُد وأدعَ الصّمت يتمدّد بيننا ويفعل فعلته. وبقيتُ على هذه الحال حتى هزمني فضولي.
«آلو؟»
«… آلو؟؟»
فاجأتني الرّجفةُ التي في صوته… رجفة التردّد.
«نعم؟»
بعد صمت… قال: «كيف حالك؟؟» وكأنّ لسانَه لم ينقطِع عن ذلك السّؤال يومًا.
«ماذا تريد؟» سألتُه بحدّة.
«اشتقتُ إلى سماعِ صوتك.» قالها بلا خجل، ظانا أنّه ما زال يملكُ مفاتيح قلبي، دون أن يدرك أنّني استعدتُ تلك المفاتيح في غيابه.
«أحقا؟!» قلتُ بلا تصديق.
«ألا تصدّقين؟» قالها بضعف.
«لا يهُم.» قلتُها بثقة.
«لكن، أنا يهمّني! أريدك أن تعرفي كم أنا…»
«لم يعُد يهمّني ماذا أنت!»
فاجأته لكماتي المتكرّرة وتعثّر لسانه أمام صلابتي.
«بهذه السّرعة نسيتِني؟!» قال ناسيًا عدد المرّات التي تخلّى فيها عني، ظانا أنه سيجدُني بانتظاره، كالعادة، متى شاء أن يعود.
«بل تذكّرتُ نفسي قبل فوات الأوان، وتذكّرتُ عزّة نفسي.» قلتُ له.
«لكنّي ما زلت أحبك!»
طبعا يحبّني… بكبريائه القاتلة.
«تأخّرتَ كثيرًا.» قلتُ له بحزم ومزّقتُ حبّه، كما مزّقتُ رسائله من قبل، ونثرتُه في الرّيح المصفّرة في الخارج، مودّعةً غيوم الماضي التعيس وداعَ الطّيور للرّوض الكئيب.
 (من مجموعة «الرجل الخطأ» – 2013)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق